لطالما راودتني رغبة عارمة بان أكون كاتب مواد كوميدية؛ سواء كانت مسرحيات, مسلسلات, قصص, عواميد صحفيه .. وإن كنت أحب أن أتخيل ما سوف اكتبه يُلقى على أشخاص في مطعم بسيط من قِبل الممثل Robert Knepper.
لدي اعتقاد قوي بأن الكتابة الكوميدية في جوهرها هي أقرب للعلوم الطبيعية منها للأدب؛ فجودة الكتابة الكوميدية قابله للقياس, وذاك على عكس كل أصناف الكتابة الأخرى التي يحكمها الذوق, والتي ما يعجب الجمهور فيها لا يعجب النقاد, وما يعجب النقاد لا يعجب الجمهور, لكن في الكوميديا من الممكن, وبكل سهولة, الحكم على كتابتها بأنها جيدة أو لا؛ فالجمهور هو المسطرة؛ إذا ضحك الجمهور فالكتابة جيدة, والعكس بالعكس. الكتابة الكوميدية قابله للقياس والملاحظة تماما مثل تنبؤات أي نظرية علمية, والكتابة هنا تٌرفض أو تُقبل بناء على هذه الملاحظات, أيضا مثل النظريات العلمية.
الكوميدي رجل شجاع, لا أظن أن هناك موقف أكثر إحراجاً من أن تقول نكته ولا يضحك أحد, فالنتيجة هنا, التي لا مهرب منها, أنك شخص سمج, لكن الكوميدي يخاطر بهذا الاحتمال, ولو قيّض لك أن تقود جيشاً, تذكر أن تضع الكوميديين في المقدمة.
توليف المتناقضات هو فن العمل الكوميدي؛ فالكوميدي لا يصنع الفردوس لنا كي نضحك, ولو تأملنا قليلاً في أصل الكوميديا سوف نجد تراجيديا, المأساة هي بداية الضحك, كل النكت تبدأ بمشكلة ما, المواقف المضحكة التي قد ترويها للآخرين كانت وقت حدوثها أوقات صعبة, كل الشخصيات في المسلسلات الكوميدية تواجه مواقف تعيسة, الكوميديا قطع من الجمر داخل الندف.
لو جاءت مجموعة من الكائنات الفضائية للأرض, فإن أول ما سوف نقوم به هو محاولة إيجاد طريقة للتفاهم معهم, بعد ذلك سوف نسألهم عن فهمهم الرياضي للعالم؛ والذي لن يستهلك وقتاً طويلاً؛ لأننا سوف نكتشف انه يطابق فهمنا, بعد ذلك سوف نسألهم عن فهمهم للزمان, والمكان, والمادة, والطاقة, وعن إذا ما كانوا وصلوا لنظرية كل شيء, بعد ذلك سوف نسألهم عن رأيهم في أصل الكون, وحدوده, وعن أصل الحياة وتطورها, وعن أصل الوعي. بعد ذلك سوف نسألهم إن كان قانون مالتوس ( تكاثر السكان بشكل متوالية هندسية مع تكاثر الموارد بشكل متوالية حسابية ) يعمل عندهم بنفس الطريقة, ربما أيضاً نود أن نتأكد حينها إن كان قانون مور ( تضاعف سرعة المعالجات كل أربع وعشرين شهر ) يعمل عندهم أيضاً بنفس الطريقة ( لدي إحساس أن هذا القانون كوني ), بعدها ربما نسألهم عن السياسة, والتاريخ, ومعاييرهم الأخلاقية, والاجتماعية, وربما نسألهم عن ما يعتبرونه حجراً نفيساً, ربما يكون الذهب عندهم تراباً, والتراب عندهم ذهباً, بعد ذلك ربما يأتي دور الأدب, والشعر, والموسيقى, والفن. وفي مرحلة ما, لا أستطيع توقع ترتيبها بالضبط, سوف نسألهم عن أديانهم, وربما بعد فتره, بعدما تهدأ الأمور, نسألهم عن أشهر قصص الحب عندهم, وعن مغامراتهم, ورحلاتهم, وحروبهم, وأساطيرهم, وخرافاتهم, ومن يدري ربما تحدث قصص حب, وقصص زواج, ومعاملات تجارية, واستقدام, ووظائف, وبعثات, بيننا وبين هذه الكائنات الفضائية .. الشيء الأكيد هو .. لن نضحك على نكتهم, ولن يضحكوا على نكتنا؛ هذا بالرغم أن كل منا سوف يقول نكت عن الآخر؛ فكل ما ذُكر ليس كافياً, بل يجب أن يأكل أدمهم من نفس التفاحة التي أكل منها أدمنا, وينزل على نفس الأرض, وأن يعيش نسله نفس التاريخ .. أو العكس .. باختصار: أن يكونوا نحن أو نكون هم .. حتى نفهم نكت بعضنا البعض.
لو شعرت, في لحظة ما, أنك تتمنى الكثير عندما تتمنى أن
تكون عالماً, وشجاعاً, وذكياً, وإنساناً بمعنى الكلمة .. تستطيع اختصار كل ذلك
وتتمنى أن تكون كوميدياً.
ميليمتر قبل خط النهاية
التفاؤل ليس توقع النتيجة الأفضل بل عدم الاكتراث بها







said:


من المملكة العربية السعودية